العيني
49
عمدة القاري
قال : ( من ضحك في الصلاة قرقرة فليعد الوضوء ) . والخامس : حديث جابر أخرجه الدارقطني . والسادس : حديث أبي المليح بن أسامة ، أخرجه الدارقطني أيضا . والسابع : حديث رجل من الأنصار : ( أن رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، كان يصلي ، فمر رجل في بصره سوء فتردى في بئر وضحك طوائف من القوم ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة ) ، رواه الدارقطني ، وقال بعضهم حاكياً عن ابن المنذر : أجمعوا على أنه لا ينقض خارج الصلاة ، واختلفوا إذا وقع فيها فخالف من قال بالقياس الجلي ، وتمسكوا بحديث لا يصح ، وحاشا أصحاب رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، الذين هم خير القرون ، أن يضحكوا بين يدي الله سبحانه خلف رسول الله ، عليه الصلاة والسلام . قلت : هذا القائل أعجبه هذا الكلام المشوب بالطعن على الأئمة الكبار ، وفساده ظاهر من وجوده : الأول : كيف يجوز التمسك بالقياس مع وجود الأخبار المشتملة على مراسيل مع كونها حجة عندهم . والثاني قوله : تمسكوا بحديث لا يصح ، وليس الأمر كذلك ، بل تمسكوا بالأحاديث التي ذكرناها وإن كان بعضهم قد ضعف منها ، فبكثرتها واختلاف طرقها ومتونها ورواتها تتعاضد وتتقوى على ما لا يخفى ، ومع هذا فإن الرواة الذين فيها من الضعفاء على زعم الخصم لا يسلمه من يعمل بأحاديثهم ، ولم يسلم أحد من التكلم فيه . والثالث : قوله : حاشا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . إلى آخره ، ليس بحجة في ترك العمل في الأخبار المذكورة ، وكان يصلي خلف النبي ، صلى الله عليه وسلم الصحابة وغيرهم من المنافقين والأعراب الجهال ، وهذا من باب حسن الظن بهم ، وإلاَّ فليس الضحك كبيرة ، وهم ليسوا من الصغائر بمعصومين ولا عن الكبائر ، على تقدير كونه كبيرة ، ومع هذا وقع من الأحداث في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أشد من هذا . وقال القائل المذكور ، بعد نقله كلام ابن المنذر الذي ذكرناه : على أنهم لم يأخذوا بمفهوم الخبر المروي في الضحك ، بل خصوه بالقهقهة . قلت : هذا كلام من لا ذوق له من دقائق التراكيب ، وكيف لم يأخذوا بمفهوم الخبر المروي في الضحك ، ولو لم يأخذوا ما قالوا : الضحك يفسد الصلاة ولا خصوه بالقهقهة ؟ فإن لفظه القهقهة ذكر صريحاً كما جاء في حديث ابن عمر صريحاً . وجاء أيضا لفظ : القرقرة ، في حديث عمران بن حصين . وقد ذكرناهما قريباً ، وقد ذكرنا أن الأحاديث يفسر بعضها بعضا . وقالَ الحَسَنُ : إنْ أخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وأظْفَارِهِ أوْ خَلعَ خُفَّيْهِ فَلاَ وُضُوءَ عَليْهِ أي قال الحسن البصري ، رضي الله عنه ، وهذه مسألتان ذكرهما بالتعليق . التعليق الأول : وهو قوله : ( ان اخذ من شعره أو أظفاره ) أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر بإسناد صحيح موصولاً ، وبه قال أهل الحجاز والعراق . وعن أبي العالية والحكم وحماد ومجاهد إيجاب الوضوء في ذلك ، وقال عطاء والشافعي والنخعي : يمسه الماء . وقال أصحابنا الحنفية : ولو حلق رأسة بعد الوضوء ، أو جزَّ شاربه أو قلَّم ظفره أو قشط خفه بعد مسحه فلا إعادة عليه . وقال ابن جرير : وعليه الإعادة . وقال إبراهيم : عليه إمرار الماء على ذلك الموضع . والتعليق الثاني : وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن هشام عن يونس عنه قوله : ( أو خلع خفيه ) قيد بالخلع لأنه إذا أخذ من خفيه بمعنى قشط من موضع المسح فلا وضوء عليه ، وأما لو خلع خفيه بعد المسح عليهما ففيه أربعة أقوال : فقال مكحول والنخعي وابن أبي ليلى والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق : يستأنف الوضوء ، وبه قال الشافعي في القول القديم . والقول الثاني : يغسل رجليه مكانه فإن لم يفعل استأنف الوضوء ، وبه قال مالك والليث . والثالث : يغسلهما إذا أراد الوضوء ، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في ( الجديد ) والمزني وأبو ثور . والرابع : لا شيء عليه ويغسل كما هو ، وبه قال الحسن وقتادة ، وروي مثله عن النخعي . وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ لاَ وُضُوءَ منْ حَدَثٍ هذا التعليق وصله إسماعيل القاضي في ( الأحكام ) بإسناد صحيح من حديث مجاهد عنه موقوفاً ، ورواه أبو عبيد في كتاب ( الطهور ) بلفظ ( لا وضوء إلاَّ من حدث أو صوت أو ريح ) . وقال بعضهم : ورواه أحمد وأبو داود والترمذي من طريق شعبة عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عنه مرفوعاً . قلت : الذي رواه أبو داود غير ما روي عن أبي هريرة ، وخلافة على ما تقف عليه الآن . وقال الكرماني : معنى ( لا وضوء إلاَّ من حدث ) : لا وضوء إلاَّ من الخارج من السبيلين . قلت : الحدث أعم من هذا ، وكل واحد من الإغماء والنوم والجنون حدث ، وجميع الأئمة يقولون : لا وضوء إلاَّ من حدث ؛ فإن اعتمد الكرماني في هذا